محمود محمود الغراب

74

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

ورضى خاصة - عبادة أخرى تطلبها رغبة في الثواب ورهبة من العقاب ، فجمعت في عبادتها بين أمرين : بين عبادة له وعبادة رغبة ورهبة ، فأحبته له ولنفسها ، من حيث ما هي كثيرة بطبيعتها وروحانيتها ، فتعلقت الرغبة والرهبة من حيث طبيعتها ، وتعلقت عبادتها إياه محبة له من روحانيتها ، فإن أحبت شيئا من الموجودات سواه ، فإنما تحبه من روحانيتها له ، ومن طبيعتها لنيل غرضها ، فلما رآها الحق على ذلك ، وقد علم أن من حقيقتها الانقسام ، وقد جمعت بين الحبين ، وقد وصف نفسه بالغيرة ، فلم يرد المشاركة ، وأراد أن يستخلصها لنفسه فلا تحب سواه ، فتجلى لها في صورة طبيعية ، وأعطاها علامة لا تقدر على إنكارها في نفسها ، وهي المعبر عنها بالعلم الضروري ، فعلمت أنه هو هذه الصورة ، فمالت إليه روحا وطبعا ، فلما ملكها ، وعلم أن الأسباب لا بد أن تؤثر فيها - من حيث طبيعتها - أعطاها علامة تعرفه بها ، ثم تجلى لها بتلك العلامة في جميع الأسباب كلها فعرفته ، فأحبت الأسباب من أجله لا من أجلها ، فصارت بكلها له لا لطبيعتها ولا لسبب غيره ، فنظرته في كل شيء ، فزهت وسرت ، ورأت أنها قد فضلت غيرها من النفوس بهذه الحقيقة ، فتجلى لها في عين ذاتها الطبيعية والروحانية بتلك العلامة ، فرأت أنها ما رأته إلا به لا بنفسها ، وما أحبته إلا به لا بنفسها ، فهو الذي أحب نفسه ما هي أحبته ، ونظرت إليه في كل موجود بتلك العين عينها ، فعلمت أنه ما أحبه غيره ، فهو المحب والمحبوب ، والطالب والمطلوب ، وتبين لها بهذا كله أن حبها إياه له ولنفسها ، فما شاهدته في هذه المرتبة الأخرى من حبها إياها ، إنما كان به ، لا بها ولا بالمجموع ، وما ثمّ أمر زائد إلا العدم ، فأرادت أن تعرف ما قدر ذلك الحب ؟ وما غايته ؟ فوقفت على قوله : « كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف » وقد عرفته لما تجلى لها في صورة طبيعية ، فعلمت أنه يستحق من تلك الصورة التي ظهر لها فيها اسم الظاهر والباطن ، فعلمت أن الحب الذي أحب به أن يعرف ، إنما هو في الباطن المنسوب إليه ، وعلمت أن المحب من شأنه إذا قام بالصورة أن يتنفس ، لما في ذلك التنفس من لذة المطلوب ، فخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق ، الذي يريد التعرف إليهم ليعرفوه ، فإذا قلنا : إن للحب الإلهي بدءا ، فبدؤه النفس الإلهي عن رؤية المحبوب ، فهذا بدء حبه إيانا ، وأما حبنا إياه ، فبدؤه السماع لا الرؤية ، وهو قوله لنا ونحن في جوهر العماء « كن » ، فالعماء من تنفسه ، والصور المعبر عنها بالعالم من كلمة « كن » ، فلما سمعنا كلامه ونحن ثابتون في جوهر العماء ،